الخُبر.. المدينة المتحضرة

 الكاتبة الدكتورة وفاء الرشيد

2/29/2020
​​عشت طفولتي بين الظهران والدمام والخبر، ثلاث مدن لا تبتعد عن بعضها سوى بضع كيلومترات، وإن كنت سأختار بين الثلاث لاخترت الخبر لتكون بيتي الأول؛ فقد ولدت بمستشفى الظهران وعشت أول ثماني سنوات من عمري بالدمام وبعدها انتقلنا إلى الخبر، المدينة المتحضرة.

الخبر هي مدينة صغيرة بعدد سكان صغير، ولكنها واحدة من أهم المدن في المنطقة الشرقية بسبب ثقلها الاجتماعي والاقتصادي. هي مدينة مهذبة منتظمة نظيفة يسكنها نوع من الناس - برأيي - له طابع مختلف وخاص، نوع من الناس هو نتاج تجربة مركبة تراكمت عبر سنين وعبر أجيال قلما يصادفك فيها وجه لا يبتسم، الكل حسن الهندام يحترم المرور ويتحدث معك بأدب ولباقة، هي نتاج حي لما أفرزته تجربة شركة (أرامكو السعودية) لمحيطها البيئي ونسيج مجتمعات موظفيها، فالكل هنا له قريب عمل وتتلمذ بأرامكو.

وقد بدأ أبي عمله بأرامكو وهو في الثانية عشرة من عمره، وجيراننا التميمي وأبا حسين وعبدالله فؤاد وعلي النعيمي والخضري كلهم بدأوا بأرامكو وهم اليوم من أكبر تجار الشرقية، وعليها قِس أجيالًا سبقت عصرها بالعلم والحضارة والانفتاح على الآخر وتعلم اللغات؛ لتعيش اليوم هذه المدينة تجربة كاملة لما بعد الامتزاج الحضاري مع تجار الهند والعراق وزنجبار، إلى تجربة الامتزاج مع الآخرالغربي.

أتذكر أن أول فرح حضرته كان في سطح منزل صديقة لجدتي، لبست فيه فستان العيد وذهبت مع أمي. هو نفس الفستان الذي لبسته ونحن نغادر إلى بيروت وأنا في أول رحلة لي بطائرة خارج مدينتي.. درست في الروضة الحديثة أولى سنوات عمري ببيت قديم كانت مديرته (أبلة ربيحة) سيدة قديرة من الأردن لن أنساها ما حييت .. 

كان صفنا غرفة صغيرة مستودعًا للكتب تحول إلى صف، نجلس على أدراج مشتركة من خشب أنا وزميلتي، ونتعلم على أيدي معلمات قديرات زرعن فينا حب العلم والتعلم. ومنها انتقلت للمتوسطه الأولى التي كان مبناها من المدارس التي بنتها (أرامكو) للمنطقه على كورنيش الخبر؛ فكانت نقلة نوعية لي بمبناها المبهرأكملت فيها سنوات دراستي للمتوسط، وبعدها الثانوية الثانية المتهالكة بمبنى من الرئاسة العامة لتعليم البنات، التي كان أجمل ما فيها مديرتها المبتسمة الأستاذة سلمى الشويعر، التي كانت تصبح علينا كل يوم.

كانت حياتنا بسيطة ومسالمة؛ الكبير مع الصغير والفقير مع الغني والسني مع الشيعي، لم أكن أفقه الفارق بين المذاهب ولا الخلفيات، فكنا نصلي بالمدرسة صفًا واحدًا بحب ووفاء. كانت الخبر مدينة جامعة للهجات مختلفة؛ فكان بها الحساوي والزبيري والقطيفي والبحريني والدمامي، وكلها لهجات لمن يسكن المنطقة، ولا يعرف الفرق بينها إلا أن هذه الفروقات جعلت المدينة أكثر ثراء وقوة وثباتًا.

كان أبي يأخذنا إلي محل اسمه “لكي ستور” في شارع الملك خالد - الشارع الأهم في السبعينيات - لنشتري الألعاب منه، وأتذكر أنني كنت أحلم بشراء قلعة كانت بها أبواب ودهاليز خفية، اشتريتها بعد رجاء طويل وخرجت أحملها بين يديَّ وكلي امتنان.. كان شارع الملك خالد يضم عمارات التجار ومحلاتهم ويمتلئ عند زيارة الملوك للمنطقة بأقواس تُكتب عليها عبارات التهاني والاستقبال، تشيدهاعوائل المدينة وكانوا يسمونها “دروازات”.

كنا نذهب بالليل نتفرج على “الدروازات” التي شيدت بالشارع بإضاءاتها المبهرة وتختار كل منا أنا وأخواتي أيًا منها نفضل.. ومضت الأيام لتتحول السوق الرئيسة في الثمانينيات إلى شارع السويكت، الذي كان في بدايته محل حلويات سعد الدين بفرعه الأول، الذي كنا نقصده كل أسبوع، وبعدها بدأت الطفرة وتوسعت المدينة.

البحر وجمع الأصداف وصيد السمك كانت أشياء أساسية بحياتي، فكل أربعاء كنت أعود من المدرسة وكل شيء جاهز للانطلاق نحو إجازة نهاية الأسبوع في (كبينتنا) التي كنا نستأجرها في شاطئ الغروب على بحر العزيزية.. كان أبي يصيد بالشبك سمك “الميد” ثم يرميه طُعمًا للسمك الأكبر، وكنا نجلس بجوار والدي صامتين حتى يقترب السمك إلى الشاطئ ويفوز أبي بالصيد الثمين، نذهب بعدها إلى (الكبينة) وأمي قد حضرت مع أقاربنا العشاء ويُطبخ السمك ونأكل وجبتنا الشهية، لنقوم في اليوم التالي ونرمي أنفسنا في أحضان بحر الخليج العربي.

مازالت هذه المدينة قائمة بتنوعها حتى اليوم، رغم تغير تركيبتها الاجتماعية بسبب زحف أهل البادية والأرياف إليها للبحث عن فرص العمل، إلا أن أهل الخبر الذين مروا بقصتها وكبروا معها مازالوا صامدين متحضرين؛ علموا أولادهم في أحسن الجامعات، وخرج منهم وزراء وسفراء وكتاب عُرِفوا بانضباطهم ومهنيتهم التي تصدرت المشهد.

الخبر قد تكون مدينة صغيرة حجمًا، ولكنها صندوق عجائب مليء بالكنوز التي لا تندثر.