شقراء.. حكاية المدينة القديمة

 الكاتب خالد صالح الفاضلي

2/29/2020

​​​
تصوير: مشعل العجيب

قدمت شقراء تجربة تراثية لافتة، عندما قرر أبناؤها التكاتف من أجل إعادة ترميم البلدة القديمة.

كان ذلك جهدًا معرفيًا، علميًا، وحرفيًا عالي الدقة، واستوجب ملايين ساعات العمل بين (قراءة كتب تاريخ، قدرات هندسية، وأشغال يدوية)؛ فعندما تجد مدينة مُحاطة بسورين تأكد أن أوقاتًا صعبة طافت بها، وأيضًا تأكد أن اللحمة والتكاتف بين سكانها يجريان في العروق والشرايين، وهذا أحد أسباب تكاتف سكان شقراء لاستعادة مدينتهم القديمة وترميمها. 

استعاد أهل شقراء مدينتهم بكل تفاصيلها، تضحياتهم، قصصهم الملهمة، كدحهم من أجل الرزق، العلم، الأمن، لذلك فقيمة ترميم الآثار تتجاوز تجديد الطين بطين، واستبدال الخشب بخشب.

عادت (شقراء) التاريخية للحياة، فالطرقات تحمل أسماءهم، والبيوت تحتفظ بـألقاب عائلاتهم، وأيضًا تحمل عناوين قصص إنسانية متعددة، وحكايات عن رجال وسيدات بذلوا كل حياتهم لخدمة أهل شقراء (تطبيبهم، تعليمهم، حمايتهم من الأعداء ومن الخلافات الداخلية)، وترقية المضمون الإنساني والحضاري في بلدة لم تخل كل كتب الرَّحالة من ذكر اسمها.

تستمر(شقراء) القديمة بالظهور مجددًا (الأسوار القديمة، الأبراج الحصينة) وكل التفاصيل الرائعة؛ فمسجد الحسيني يتباهى بثلاثمائة وخمسين سنة، تجاوره بيوت وطرقات تحمل أسماء (السبيعي، الحميدية، الجاسر، الجميح، الزيد، العيسى، الحماد، الحسن، المهنا، البواردي، القاضي، المقرن، وأبا بطين)؛ كانت مشغولة في صناعة المكان والإنسان، ولها أثر يعادل قوة جامعات ووزارات.

وكأنه يعلم بأنه سيعود للحياة مجددًا، كان (سوق الحليوة) مستعدًا للوجود مجددًا ورؤية وجوه أحفاد الرجال الأولين الذين بنوه وحموه مئات السنين، وملأوه بأصواتهم وأخلاقهم وأمانتهم، فأصبحت بلدتهم مدينة تجارية. أضافوا لـ (الحليوة) سوقين رديفين هما "المجباب" و "المجلس"، وبالتالي فإن قراءتك للأسماء أعلاه - على واجهات محلات تجارية، أو في مجالس إدارات كبريات الشركات - تبرر وجود امتداد منطقي لهم، وتؤكد لك أنك تزور مدينة كانت تعجن التاريخ وتخبزه.

أرادوا أن تعود مدينتهم مجددًا، تكاتفوا مالًا، علمًا، ونسجوا كل التفاصيل الصغيرة وفق حرص عالٍ على صِدقيَّة الموروث العمراني والمحكي، ووضعوا جدولًا زمنيًا لاستكمال تجسيد المكان مجددًا، وكأن المسافة بين (١٤٤١ للهجرة) و(١٢٣٢ للهجرة) مجرد فارق زمني افتراضي.