سوق الحلة الشعبي.. أوتار وموسيقى وذكريات

 زهير الطريفي

2/29/2020
تخفي المدن الكبيرة جواهر سياحية لا يتم العثور عليها بسهولة؛ ففي الرياض ليس سهلًا العثور على (سوق الحلة للأدوات الموسيقية)، وليس سهلًا الخروج منه.

مولود في النصف الأول من القرن الماضي، عاش زهوة شبابه بين الخمسينيات والسبعينيات قبل أن تخفت مصابيحه في التسعينيات، لكنه استمر بهيًا في عيون هواة الفن، وملاذًا للتدريب، وشراء أدوات موسيقية متنوعة، بينما إمداداته للفرق الشعبية بتجهيزات الإيقاع أحد أسباب ثبات معادلاته الاقتصادية.

كان شارع الحلة أول تكوين "شبه أكاديمي" لتدريب الموسيقى في الرياض، وكذلك الملاذ الوحيد لصيانة الوتريات، فالآلات الموسيقية تشبه قلوب الناس "سهلة الكسر"، بينما حافظ وجوده على نافذة توالد هواة العزف والغناء، بعضهم تحول إلى علامات فارقة في الحركة الفنية السعودية (خالد عبدالرحمن، عبدالعزيز المنصور، ورابح صقر) .

قد تراها أبنية قديمة، مكانًا قد لا يعنيك حجره أو الطوب الموجود فيه، لأن انبعاث الحياة طاغٍ من خشب الآلات الموسيقية (أعواد، إيقاعات، وغيرها)، والأوتار، ثم انغماسك في حكايات تسمعها - لأول مرة - عن أباطرة صناعة العود في العراق ومصر، مسميات الأعواد، وأسماء أشهر المطربين المتمسكين بنوع محدد. في اليوم التالي عندما تشاهد أغنية على التلفاز أو فرقة موسيقية، ستذهب لملاحقة تفاصيل وانتماءات "العود" بيد المطرب، وبقية آلات الفرقة الموسيقية.

تساعدك (سوق الحلة) على رؤية الموسيقى وليس الاستماع لها، والتماس مع تاريخها، حروبها التنافسية الصناعية، بورصات الأسعار، والقدرة على الاحتفاظ باستمرار ديموقراطية الشارع الموسيقي؛ فوجود الجيتار الكهربائي والبيانو لم يُلغِ شموخ الربابة، و"طيران" تعتمد عليها الفرق الشعبية الجماعية.

تهتم مفاهيم السياحة بمعايير كثيرة؛ أحدها قدرة المكان على تخزين موروث محكي يتم تناقله بين الناس شفاهةً إلى حين يتم توثيقة كتابةً، وهذا جزء من أهم وظائف (سوق الحلة للأدوات الموسيقية) ذاكرةً صوتيةً عمرها أكثر من مائة عام، ورصدًا موسيقيًا طويلًا؛ فالوصول إلى دهاليز ذاكرة (سوق الحلة) يعادل متعة السفر إلى كوكب بعيد، وربما أكثر.​